الشيخ ابراهيم الأميني
109
تزكية النفس وتهذيبها
وقال أيضا : « لا شرف أعلى من الإسلام ، ولا عز أعز من التقوى ، ولا معقل أحسن من الورع » « 1 » . وقال : « فمن أخذ بالتقوى عزبت عنه الشدائد بعد دنوها ، واحلولت له الأمور بعد مرارتها ، وانفرجت عنه الأمواج بعد تراكمها ، وأسهلت له الصعاب بعد أنصابها » « 2 » . اعتبرت التقوى في هذه الأحاديث مفتاح حل المشاكل ، وسببا لعزة وحرية الإنسان ونجاته من المصائب والابتلاءات ومن مرارات الحياة ، وأفضل ملجأ . إذن التقوى لا تتسبب بمحدودية ولا تسلب الإنسان حريته ، بل تحيي شخصيته الإنسانية من أسر الشهوات ، وتحرره من الغضب ، حب الانتقام ، الأحقاد ، عبادة الأهواء ، عبادة الجاه والمقام ، عبادة البطن والشهوة ؛ تقوي شخصيته الإنسانية وعقله حتى يتغلب على الغرائز والقوى الثائرة ، فيعدلها ويهديها بحسب المصالح الواقعية ويمنع حصول الإفراط والتفريط . يعتبر القرآن الأشخاص المطيعين المنقادين لأهوائهم ورغباتهم الساعين خلفها دون قيد أو شرط عبّاد أصنام وهوى . يقول تعالى في القرآن : أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ « 3 » . نعم الذي يسلّم بالكامل أمام أهوائه ورغباته ولا يتورع عن ارتكاب أي شيء لإرضائها ، فيهيم خلفها بجنون دون أن يستمع لنداء العقل الخيّر ولا لإرشادات الأنبياء ، يكون حقيقة أسيرا وعبدا لأهوائه . تغلب هوى النفس على شخصيته الإنسانية وعلى جوهر عقله الثمين وقيده ، ولا سبيل للتحرر أمامه إلا بالتقوى . إذن التقوى لا تقيّد ، بل تدفع الإنسان نحو الحرية .
--> ( 1 ) نهج البلاغة ، باب المختار من الحكم ، رقم 371 . ( 2 ) نهج البلاغة ، خطبة 193 . ( 3 ) سورة الجاثية ، الآية 23 .